الغزالي

103

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

القلب بالشيخ واستفادة علم الواقعات منه بفناء تصرفه في تصرف الشيخ ، ودوام نفي الخواطر ، ودوام ترك الاعتراض على اللّه تعالى في كل ما يرد منه عليه ضرا كان أو نفعا وترك السؤال عنه من جنة أو تعوذ من نار . والفرق بين الوجود والنفس والشيطان في مقام المشاهدة : أن الوجود شديد الظلمة في الأول ، فإذا صفا قليلا تشكل قدامك بشكل الغيم الأسود فإذا كان عرش الشيطان كان أحمر فإذا صلح وفني الحظوظ منه وبقي الحقوق صفا وابيض مثل المزن ، والنفس إذا بدت فلونها لون السماء وهي الزرقة ، ولها نبعان كنبعان الماء من أصل الينبوع . فإذا كانت عرش الشيطان فكأنها عين من ظلمة ونار ويكون نبعها أقل . فإن الشيطان لا خير فيه وفيضان النفس على الوجود وتربيته منها فإن صفت وزكت أفاضت عليه الخير وما نبت منه . فإن أفاضت عليه الشر فكذلك ينبت منه الشر ، والشيطان نار غير صافية ممتزجة بظلمات الكفر في هيئة عظيمة وقد يتشكل قدامك كأنه زنجي طويل ذو هيبة يسعى كأنه يطلب الدخول فيك . فإذا طلبت منه الانفكاك فقل في قلبك يا غياث المستغيثين أغثنا فإنه يفر عنك . فصل في التصوف حكم الصوفي أن يكون الفقر زينته والصبر حليته والرضى مطيته والتوكل شأنه . واللّه عز وجلّ وحده حسبه يستعمل جوارحه في الطاعات وقطع الشهوات والزهد في الدنيا والتورع عن جميع حظوظ النفس ، وأن لا يكون له رغبة في الدنيا البتة ، فإن كان ولا بدّ فلا تجاوز رغبته كفايته ويكون صافي القلب من الدنس ولها بحب ربه فارا إلى اللّه تعالى بسره يأوي اليه كل شيء ، ويأنس به وهو لا يأوي إلى شيء ، أي لا يركن إلى شيء ولا يأنس بشيء سوى معبوده آخذا بالأولى والأهم والأحوط في دينه مؤثرا اللّه على كل شيء . التصوف : طرح النفس في العبودية وتعلق القلب بالربوبية . وقيل : كتمان الفاقات ومدافعة الآفات . وقال سهل بن عبد اللّه : الصوفي من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر واستوى عنده الذهب والمدر . وقيل : التصوف تصفية القلب عن مرافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد صفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية واتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الشريعة . وقيل : الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس ومعينه على هذه دوام افتقاره إلى مولاه ، فبدوام الافتقار يتفطن للكدر كلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه ، فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفرقته وكدره فهو قائم بربه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه . قال اللّه تعالى : كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ [ المائدة : 8 ] وهذه للّه على النفس وهو تحقق بالتصوف .